مصطفى مسلم
94
مباحث في إعجاز القرآن
يسقون أغنامهم ، أو مواشيهم ، وامرأتين تذودان غنمهما ، لا نسقي غنمنا ، فسقى لهما غنمهما . ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا ، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ومن المرأتين ذود ، وأنهما قالتا : لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء ، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي ، فأما ما كان المسقي - أغنما أم إبلا أم غير ذلك ؟ - فخارج عن الغرض وموهم خلافه ، وذلك أنه لو قيل : وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما ، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود ، بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود ، كما أنك إذا قلت : مالك تمنع أخا لك ؟ كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع ، بل من حيث هو منع أخ ، فاعرفه تعلم . أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة وأن الغرض لا يصح إلا عن تركه ) « 1 » . ومن أمثلة عبد القاهر على احتمال النظم وجوها ثم اختيار وجه معين دون غيره من الوجوه : ( ومثال ذلك قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] ، ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنا وروعة ومأخذا من القلوب أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخّرت فقلت : وجعلوا الجن شركاء للّه . وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل ، ولا تصير النفس به إلى حاصل ، والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا ، لا سبيل إليه من التأخير .
--> ( 1 ) دلائل الإعجاز ص 182 .